الواشنطوني العربي صحيفة أسبوعية مستقلة تسعى لبناء جسر من التواصل بين العالم العربي ومواطني الولايات المتحدة من خلال تقديم أخبار وطرح قضايا غالبا ما لا يتم طرحها في الصحف الأميركية.الواشنطوني العربي منبر مفتوح للقراء والكتاب وكل المهتمين بالشأن العربي و المهجري. Subscribe to our mailing list
Petra Group
Monday, September 6, 2010
استعرض الكتّاب English
أعلن هنا - الواشنطني العربي - جسر التواصل بين العالم العربي ومواطني الولايات المتحدة
  رأي
وحيدا مع ذاكرة شعب وثورة
محمد الشحري محمد الشحري

 

من المحزن أن تجد نفسك وحيدا مدافعا عن ذاكرة شعب وثورة، هذا ما حصل لي بعدما قرأت مذكرات أمير الشارقة، ونشرت ردي على هذه القراءة في صحيفة القدس العربي، وللأسف لم أجد أحدا من قبلي ولا من بعدي تطرق إلى مذكرات الأمير ليحللها أو ليفندها، خاصة فيما يتعلق بحديثه عن (ثورة ظفار) فبعدما اكتشفت شخصيا في هذا الكتاب بعضا من السرد غير الواقعي والأحداث غير المنطقية، والتي يتحدث عنها الكاتب وكأنه الوحيد الذي يملك الحقيقة، أرى أنه من الضروري قراءة هذه السيرة وأمثالها عشرات المرات لكي لا تتحول هذه السيّر إلى مراجع تاريخية لا نقاش ولا جدال حول حقيقة أحداثها، من يقرأ  مذكرات الدكتور سلطان بن محمد القاسمي – أمير الشارقة-، الصادرة عن منشورات القاسمي، والمتوزعة على 14 فصلا في 418 صفحة، ، المنُشورة في شهر نوفمبر 2009، - يحتوي الكتاب أيضا على حوالي 56 صورة شخصية للأمير وثّق فيها مراحل سيرته الحياتية بالإضافة إلى بعض من ملامح الحياة في الشارقة على فترات مختلفة- سيخرج القارئ بانطباع جيد بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب، وسيرى أن صاحب السيرة يملك خبرات حياتيه وتجارب متعددة عبر السنوات التي عاشها في الشارقة أو أثناء تنقله بين البلدان التي ذكرها خلال السيرة.

سيجد القارئ نفسه أيضا بعد قراءة فصول هذه السيرة، أنه اطلع فقط على نصف الكأس الممتلئ بينما النصف الآخر غير مباح البوح به، أو أن السارد – الأمير- قد فرض على نفسه رقابة ذاتية مبررا إياها في المقدمة بقوله " لقد أغفلت كثيرا من الحوادث والروايات لأناس قضوا نحبهم، فذكرها يثير الضغائن التي سترها الله، جاء في الأثر: " اذكروا محاسن موتاكم"، إلى هنا ينتهي الكلام في مقدمة الكتاب، وفي الفصل السادس من الكتاب لم يخفِ علينا الأمير سلطان القاسمي بعضا من بطولاته المتمثلة في القيام بأعمال فدائية ضد المصالح البريطانية في الشارقة أثناء العدوان الثلاثي على مصر، وقد ذكر لنا أنه قام بأربع عمليات، كانت العملية الأولى إحراق مبنى مرسلات اللاسلكي والهاتف، والعملية الثانية كانت قطع الأنبوب الحديدي الذي ينقل المياه إلى القاعدة البريطانية، وهذه العملية لم تعلم بها بلدة الشارقة حسب قوله لأنها تمت في الصحراء، أما العملية الثالثة فكانت إحراق سيارة القائد الانجليزي لفرقة المجندين(الليفيز) بالشارقة، بينما العملية الرابعة لم يُكتب لها النجاح وكانت تستهدف إحراق ثلاث طائرات حربية بريطانية.

يذكر الكاتب أيضا عجزه عن منع تنفيذ حكم الإعدام بحق مواطن بلوشي اتُهم في حادثة حريق خيم من السعف في "حي البلوش" واحترقت صاحبة الخيمة وماتت، ولكن المتهم برئ كما تقول المرأة التي أخبرت الشيخ الشاب (أنذاك) سلطان، وأن سبب الحريق هي المرأة الهالكة التي كانت تطبخ في خيمتها واشتعلت فيها النار، لم يستطع الشاب ذو التسعة عشر عاما أن يمنع البندقية التي صوبها سالم الباطني نحو البلوشي، رغم محاولته لذلك فيقول" حاولت الإفلات من العساكر، فلم أستطع، وإذا بسالم الباطني يصوّب بندقيته ويطلق النار، فيسقط الرجل البلوشي، فأسرعت نحوه، عندما وصلت إليه، كنت أظن أنني سآخذه إلى المستشفى، فلما رفعت رأسه وجدته قد فارق الحياة، وعيناه لا تزالان مفتوحتين تنظران إليّ، وكأنهما تقولان لي: شكرا"

لم يخبرنا السارد سبب شكر الرجل الميت له، ولم يكمّل لنا بقية القصة بعد أن أوصّلنا إلى ذروة التشويق، ولكن لا ننسى أن الكاتب هو مؤلف مسرحي لذلك تركنا ربما لكي نخلق بقية أحداث القصة، هل سيعاقب من افترى على المتهم؟ أو هل ستحصل أسرته على تعويضات من حكومة الشارقة التي قتلت رجلا برئيا؟.

كان سيمُر عليّ هذا الكتاب، دون تعليق مثلما نقرأ الكتب والمؤلفات التي تقع بين أيدينا من هنا وهناك، وإن كان الكاتب – الأمير- قد أباح لنا ببعض التدخلات التي يمارسها الإنجليز في البلدان العربية خاصة إمارات الخليج العربي بلا استثناء، وهذه شهادة مهمة للتاريخ، كما كشف لنا عن الخلافات الداخلية في الأسر الحاكمة في الخليج ، وأن الحاكم في إمارات الخليج، لابد وأن يرضى عنه البريطانيين قبل الشعب،  هذا الكتاب ربما يكون الأول من نوعه الذي يُكتب بأقلام ذوي الشأن في البيوت الحاكمة في الخليج، نعم كتاب يستحق القراءة على الرغم من بعض الأخطاء التاريخية التي وقع فيها المؤلف وكتبها دون تدقيق أو تمحيص، فحينما أنهيت قراءة الكتاب استنتجت بأن الكاتب قد أقحم قضية شخصية وقعت له أثناء ترأسه رابطة طلبة عُمان، لكي ينال من جبهة تحرير ظفار، وتحدث عن مبررات قيامها بأسلوب لا يقبله المنطق ولا العقل، إذ أن جبهة تحرير ظفار  كانت نتيجة حتمية للأوضاع التي وصلت لها حالة الشعب في ظفار،  كتب السارد في الفصل الثاني عشر، تحت عنوان الدراجة النارية، (ص 348) ( كان أبوقصيدة من الطلبة العُمانيين، من أهل ظفار، والطالب في القاهرة، قد قام مع شخص من سكان صلالة بظفار بعمان – قدم إلى القاهرة بعد سجنه لفترة أيام في صلالة ، لركوبه دراجة هوائية في سوق صلالة المزدحم، حيث كان ركوب الدراجات في السوق ممنوعا، وقد صدم أحد الأشخاص – بتكوين " جبهة تحرير ظفار" ، وبينما نحن نمر بأحد شوارع القاهرة ، وإذا بتلك اللافتة تطل من الدور الأول، وقد كُتب عليها : " مكتب جبهة تحرير ظفار"، ذهبنا لنشاهد المكتب، وإذا بذلك الشخص الذي تعرفنا عليه قبل مدة، والذي كانت حكايته لا تتعدى ركوب دراجة هوائية في سوق صلالة وسجنه لعدة أيام ، وقد صنع منها كفاحا ، وحوّل ذلك الكفاح إلى ثورة، اتصلنا بالسيد فتحي الديب ، عضو الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي، وهو في الحقيقة مسؤول ملف " حركات التحرر في العالم العربي" وبيّنا له حقيقة ذلك الرجل، وأن ظفار جزء من عمان، فما كان من السلطات المصرية إلا أن قامت وأغلقت المكتب، وبعد عدة أيام أعيد افتتاح المكتب،فعلمنا أن أبو قصيدة والقوميين العرب وراء افتتاح ذلك المكتب للمرة الثانية، مشكلة دراجة هوائية تحولت لمشكلة شعب وأمة!) عند هذه الفقرة ينتهي حديث السارد لذاته، وهذه الفقرة تتناقض مع ما قاله السارد عن نفسه في الصفحة السابعة من الفصل الأول حيث يقول" إني وعيت أحداث الدنيا ولم أبلغ بعد الخامسة من العمر" ، فإذا كان بالفعل يعي أحداث الدنيا فلماذا لم يعِ أحداث ثورة ظفار، وسبب قيامها؟!، وأنها ثورة قامت من أجل تحرير شعب من الظلم والاستبداد والجهل والمرض، (والثورات لا تنطبق إلا على تلك التي يكون هدفها الحرية ) كما يقول كوندورسيه، إذن ثورة ظفار ثورة بالمعنى السياسي والاجتماعي.

توجد هناك ملاحظة أخرى وهي إذا كان السارد ناصريا كما فهمنا من سرد ذاته، فكيف لا يعلم بأن ثورة ظفار قد انتهجت الفكر القومي الناصري من صدور  البيان الأول للثورة؟  كما وضحّ ذلك الكاتب نور الدين بن الحبيب حجلاوي ، في كتابه تأثير الفكر الناصري على الخليج العربي 1952-1971م، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، وأيضا العديد من الكُتّاب الذين تحدثوا بإسهاب عن ثورة ظفار- الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي لاحقا-.

وإذا أراد الدكتور القاسمي أن يقول  أنه قومي وحريص على وحدة عُمان، وأن ظفار جزء لا يتجزءا من عُمان، فلماذا يتبرأ من عُمانيته؟!، كما قال في كتابه (ص377)، كان الأجدر بالدكتور القاسمي الذي نكن له احتراما وتقديرا لشخصيته المعروفة والمحبوبة بين الأمة العربية، أن يقول أن إمارات ساحل عُمان جزء لا يتجزءا من عُمان، وهي حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد، بينما نجد أن ظفار شهدت حكما من قبل سلاطين عُمان أقرب ما يكون إلى الحكم الذاتي، فقد سماها السلطان سعيد بن تيمور (مملكة ظفار)، وأصدر لها سنة 1948 عملة خاصة بها أسماها الريال الظفاري.

إن  الأسباب التي جعلت الدكتور سلطان بن محمد القاسمي يتحدث عن  أن الدراجة الهوائية هي السبب الرئيس الذي أدى إلى  قيام جبهة تحرير ظفار، ما هي إلا نتيجة لخلافات شخصية مع أبو قصيدة ( محمد القاضي)،  بسبب رابطة طلبة عُمان التي يترأسها سلطان بن محمد القاسمي نفسه، وقد أزاحه عنها أبو قصيدة مع طلاب عمانيين آخرين، وحينما أيقن القاسمي بخروجه من رئاسة الرابطة قال لزميله راشد المخاوي : " أنت لست عُمانيا، وأنا كذلك لست بعُماني فلماذا نربط رأسينا بدون وجع؟!(ص 377 سرد الذات) هذه الحكمة التي تفطن لها السارد مؤخرا ليتها أتت في البداية، فقد يُعفينا عن الحديث عن أبو قصيدة ودراجته الهوائية، ونفهم أن قضية السارد الشخصية مع أبوقصيدة، هي التي جعلته يقول أن الدراجة الهوائية قد تحولت لقضية شعب وأمة، ولكي لا يُفهم أننا نرد على كاتب سرد الذات من باب دفع التُهم ليس إلا، فقد سألنا بعض الظفاريين الموجودين في القاهرة في ستينات القرن العشرين عن أبو قصيدة، وقيل لنا أن أبو قصيدة لم يكن قياديا في ثورة ظفار، ولم يكلف بمهام تنظيمية،  عندما عرفنا السبب  بطل العجب الذي اعترانا حينما قراءنا كتاب سرد الأمير لذاته.

إذن هل ندعو في خاتمة هذا المقال إلى قراءة ما يكتبه السياسيين العرب، قراءة فاحصة ومشككة ؟.


* محمد الشحري·       كاتب ظفاري من عُمان.

Bookmark and Share

علق على هذه المقالة...

الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق*:
الرجاء كتابة الأرقام الملونة:
ذلك يساعدنا على تجنب البرامج المتطفلة.
*لن يتم نشر أي تعليق تحريضي أو ذو طابع طائفي أو إن كان يحث على الكراهية أو يدعو إلى العنف