منصور الصويم
بحر الخليفة (١)
أوردة من ورد؛ شرايين غسقية، أفق دخان.. تُخوم هذا الذي يأبى
الإنولاد؛ متشبثاً بمخاط الحريق، أسنانه تعض شراشف مهابل وحلمات أثداء
تتدلى من سماء تغيب، بهذا الذي يهزُّ جدران حناجر طيور، في فزع الريش تشرق
دامعة، بصراقيل نارية؛ وهجها يصدُّ حدقات آيائل تفرُّ، بين نتوءات تلالٍ
تتلوى وهي تعانق عشباً ينسل الآن؛ مغادراً صبغة الأخضر المحزون.. بهذا
الذي يجُّر من بحر الخليفة أساطير نساء؛ غرقى، شعورُهُنّ معقودة عند
عاناتٍ مُتوهَّمة؛ تنبت بأرض خراب، تنساب ناعمة إلى حد شفرة الخرافة
وأنياب غيلان الأساطير.. على سطوح ماء الاختلاق؛ مومياءات أبدية تُقلِّبُ
أعيُنَها وتحدِّق في غبار الكهوف الملوكية.. بهذا الذي يبلله رذاذٌ، نثار
جليد، عبق أقحوان، عطر بارود طائش، دم طازج، عرق نازٍ، دموع بكر، وأمطار
شتاء نحيل.. بفرسه الخشبي، والرمح المكسور، بحبات مسبحته تنادي الموت: يا
جميل، نقي ببهائك الضدين، وسِّدْهما القلب حتى يتحجَّر هذا الدم ويصير
السواد..
قمة الخمسة (٢)
الإبل يا قمة الخمسة، حليبها الترياق وكبدها الحجر، في قلبها
حُجرتان؛ الحنان بأنسجته الدفيئة ونبضاته الشفيقة؛ الحقد بشرايينه الدامية
ونبضه الحريق، حجرتان وجداران من بلازما يتعاكسان، يتداخلان، يشتبكان،
حجرتان.. ثم في مخازن السنام يا قمة: هذه اللوبيا، دخن القوز، عقيق يابس،
هجليج مخروط، عفوص طازج، عيش الريف، رز الخلا وتبش الدرت الأخير.. الإبل
يا قمة؛ خطواتها الوئيدة تطأُ ميوعة الرمال، راسمة ظلال السفر الطويل، تخب
دامعة وأعينها تحاور صرصر الريح وأفق المياه السراب، بأقدامها وهناً ترسم
موسيقى التبدلات؛ من مناخ لمناخ، تغسل فروها برذاذ ماء الشلالات، تحك
جنوبها المتيبسة بجدران العدار وعنكوليب وادي كَسَّار الهادر..
ثَمَّة هذه الخيول السطو يا قمة، خيول النار، ببطونها
الضامرة وأذيالها الدخانية؛ تهش ذباب التحللات الطانِّ في حبور.. بأعينها
المكحلة برماد الحريق؛ تحدق في النهايات مكومة في أفق التلاشي.. بحوافرها
اللا نهاية، تطأُ الليِّن من عظام ورؤوس وأضلاع هشة؛ تدهس فخار البرام،
سعف برتالات ملونة وعروسات من قش وقماش وطين، كما ترُجُّ حتى الاندلاق
لبناً، سمناً بلدياً، وبركيباً رائباً، وتركض جزلى وهي تصهل فخورة:
يا نبي تعال؛ الموت أكوام، الحنين هجرة طيور الإنفلونزا،
الرحمة انقراض أبَلانجات التبلديات الخمس.. العنق مُعَدٌ؛ يا نبي
تعاااااااال…
خيول الماء (٣)
هكذا، الحريق؛ الأمخاخ التي تنضج بروية، طقطقة العظام، فرقعة
الرئتين، انسلاخ الصوت، وفوح الإنسلال.. هكذا، الحريق؛ الشبكيات التي تتسع
على فزع؛ تعكس ألوان قزح تتشظى ملتهبة، وهنا وهناك؛ تهرول خيول الماء
الملونة، تتثنى صاهلة في أنين.. ثَمَّة النار، حزاماً يتصالب؛ قش يلتهم
هسيسه.. عقارب تفر بسمها صوب سم الحريق، تربة تتضرج بالرمادي وتشرع أزرعها
العارية لانبساط المدى.. هكذا الحريق؛ تسلخات عيدان الرواكيب الفسيحة،
تآكل مرق خلوة الضيوف، الخيوط الرقيقة لثاني أكسيد الكربون متصاعداً في
فضائه.. هكذا الحريق؛ قلب وحجر، زخات تتدافع، انتشاء، لولبة دخان يتصاعد
مخترقاً سابع السموات، متاخماً الرحمة.. يا الله؛ زخات الهتون أم زخات
الحريق، فرس النبي، أم أفراس النار..
دم يا إله (٤)
عند تفاصيله الملونة يندفع متحرراً، كأنه حرباء، أحمر صارخ
وهو يعانق الهواء، أسود ساكن وهو يتسرب بين ذرات التراب، مصطبغاً بالأخضر
الزرعي، والأصفر الصحراوي، مشاكساً الألوان؛ ذلك وهو يحاور القماش،
متشرباً القطن، مناكفاً النايلون، ومعانداً ضمادات الشاش..دمٌ يا نبي؛ في
مسراه بين المشيمة وسرة الوليد، في انقسامه إلى الأبيض وتدفقه حليباً إلى
فم الرضيع.. دمٌ وهو يرش نايلون الصبية، متحدراً على ساقيها، واهباً صدمته
الأولى؛ احتمالية تكونه جنيناً أو تشكُّله يأساً في فضاء سنوات الصبية..
دمٌ أو بلازما أو تلك الأوعية الدقيقة وهي تلد الانسراب الآن، تهب الموت
خفيفاً كنعاس أو إنولاد.. دهشاً يغادر أوردته وشرايينه وقلبه الخفاق،
بلونه المتفكك يرسم ابتسامته الأخيرة ويغادر.. دمٌ يا نبي، دمٌ يا إله..
الماء يا سيدي (٥)
لكن الماء، يا سيدي، بين الكرجاكة وتشقُّقات البلاستيك، في
رحلته من قمة الجبل لطين برلي، ومن سماء الإله لحراز العشوش.. الماء وهو
يشع متكثفاً بمربط العجيل، نائماً بجوف التبلدي، هازئاً بصفرة أوراق قدم
الحمام وريغن وقمح الشتاء الأخير.. الماء معقماً ـ يا سيدي ـ بزجاجات
الكريستال؛ مقطراً بأنابيب الدواء، مدلوقاً على سراميك العمارات وحيطانها
وسيفوناتها ذات العمق الخطير.. الماء ـ يا سيدي ـ وهو يباغت النار وهمسها؛
مُطفِئاً جمر الحريق، منهزماً أمام الصديد وديدان اللحود ومتحللاً إلى
عفونته الفائحة.. الماء وهو يتدلل، قطرة قطرة، يحصي الصفوف، يتسرب بين
شقوق أبو شوك وجحور أفاعي مَرلا، تحركه عصا الساحر، ليشرق مع أسراب ساري
الليل، ويغرب مع قطيع أم تكديم المتلاشي كسراب.. الماء يا سيدي، وهو يحفز
حلق مجروح بالصراخ، وهو يبلل جرح مقروح بغرغرينته الأخيرة، وهو يندلق
بحنان ليعد الجسد المسجى، لرحلته تحت الرمال، وجبة لماء الديدان.. الماء
يا سيدي، في انهطاله على سعف كَلمى وصفيح دوماية والسريف، ببرقه الساطع
ودوي فرقعاته التدعو لإبتسام، الماء في مؤانسته الحميمة لأجساد الصغار حتى
الركبتين، البطن ثم الصدر، عند ارتعاشته وهو يسيل بين نهدين ويبلل فم رضيع
مدهوش.. الماء يا سيدي، وهو يترحل مختزناً في سنام، وهو يرعى قطيع أبقار
من حفير لحفير، ومن نهر لنهر.. الماء يا سيدي.
منصور الصويم: كاتب من السودان