|
|
محمد الغانمي
ما زال الصبية يتراشقون بالحجارة، ومازال على حاله ينتظر قدوم العروسة الصفراء دون جدوى، كانت الدقائق تمر كئيبة، برتابة، وبرود ككابوس جاثم بلا رحمة...
مازال ذهنه يلوك الموقف كاملا ....فصلا فصلا...دون وعي بما يحدث حوله, مرّت شاحنة محملة بفواضل البناء, وتزاحمت سيارات الأجرة يرشقه سواقها بشواظ أعينهم كما لو كانوا يأمرونه بامتطاء سيّاراتهم بدل انتظار الصّفراء القاتلة التي انعطفت آخر الشّارع الضّيق, متهادية وسط البرك الرّاكدة دون اكتراث بمن سوّلت له نفسه الاقتراب منها أو محاذاتها,.........بعنف أخرق انصفق بابها كفرقعة إطار بال, لم ينزل أحد, لم يصعد سواه...
انتحى مجلسه بجانب مقتطع التّذاكر الذّي ما انفكّ يثرثر عن حركة النّقل المزدحمة التّي لا تختلف عن حركة النّمل, وعن تبلّد ذهنيّة السّائقات وبطء استجابتها و......عن نسوة تصعد دون سندات نقل ودون نقود بتعلّة نسيان الحافظة أو نشلها من طرف أولاد الحرام أو الحلال .....
لم يعره أدنى اهتمام, "كُلْ فُولْ لاَهي في نَوَّارُو" فقط كان يكتفي بمهمهمات توحي بأنّه يولي مخاطبه كلّ اهتمامه.......كان بحاجة أن يفهم لم امتطى هذه الصّفراء القاتلة ؟ أين يتّجه؟ أو لم يتّجه؟ .......لم يظفر بتبرير...سوى أنّه سيغادر حيّ "الصّحافة" أو "الغزالة" ليحشر ثقله وسط الحشود المتلاطمة في يمّ العاصمة.
تهادى بخبل يجوب شارع "الحبيب" الذّي ضاق بشتّى المقاعد والطّاولات والشّمسيّات, الثّابت منها والمتحرّك...بدا له أشبه بحي قصديري أخرق...سيطرت عليه ثقافة الشّكل بوضع المصالحة بين الضّدّ والضّدّ.
كانت الوجوه الأنثويّة تحمل مسحة من البؤس والحرمان فشلت المساحيق في إخفائها, كانت الوجوه وتقاسيمها تعبّر عن عدم الرضا والبحث عن شيء مفقود لم يميّزه رغم الفطنة..كلّ الوجوه الأنثوية كانت تبحث عن شيء لم يوجد بعد..أمّا الرّجال, رغم اختبائهم خلف بدلاتهم الايطالية الأنيقة فشلوا في إخفاء هذا الإحساس, كان فشلهم ذريعا في طمس بطولاتهم في الصّعلكة والتّحيل أو العطالة أو امتهان أشغال لا تتلاءم وتواجدهم في هذا الفضاء الرّاقي.....بدا ذلك من خلال قبضاتهم الخشنة ونظرهم النّهم وألفاظهم الموجّهة وحتّى معاجمهم .........تملّى الشّاب الرّصين الذّي يحاول أن يظهر بمظهر الرصين اللّبق وهو يحاور فتاته, يبدو أنّه تعرّف إليها لتوّه, بدا غارقا في إقناعها بذلك ومنحها تمام الرضي, كأن يحاول إقناعها بأنّه يشغل منصبا هامّا وربّما كان يصفع أمّه من أجل المال..ربّما..ربّما..أحسّ أنّ كلّ شيء يبدو مركّبا بعشوائيّة وتعسّف، كل ّشيء يبدو ارتجاليّا تحكمه محرّكات خفيّة...فقط تمّ التأسيس للمظهر. فحظي بالقبول....لكن ما المهمّ في كلّ هذا؟؟ لم يرهق نفسه بكلّ هذا العناء والقوم في منتهى الانشراح؟ .......حسبه أن يكثر من الرّواح والمجيء بين شارعي "فرنسا" و "الحبيب" وما يُعرف بـ"تونس البحريّة" كي يهدّ جهده ويبدّد طاقته ثمّ يرتمي أخيرا على مقعد يحنّ إلى التّقاعد ثمّ يدخّن سجائره بشرود ضالّ وهو يرتشف قهوته المرّة، ثمّ يطالع صحيفة ما كي يستاء من بشاعة أخطائها ورطانتها وميوعتها الفكريّة وقحطها المعرفيّ المدقع ......ويطويها أخيرا ببؤس متخيّلا نفسه في برنامج رسكلة الذهنيان المتكلّسة يتلقّى تكوينا خاصّا للتّدرّب على قبول الأخطاء على أنّها تطوّر لغويّ وانّ ما ينعته بالفقر المعرفي أو الخور الإعلامي ما هو إلاّ تسامح في جوهره ولا يكلّفه إلاّ القليل من رحابة الصّدر ...وأنّ وأنّ....
ما انفكّ هذا الجالس بجانبه عن الهراء الممجوج كما لو كان يروي ملحمة غابرة، كان يتكلّم عبر الهاتف ، وكان يتعمّد إسماع جميع الآذان عنوة، الواضح أنّه يسعى إلى إقناعهم أنّه رحل أعمال مهمّ أو ثريّ، وربّما كان فردا من عصابة أو تاجر مسروقات....لهجته كانت تشعره بالقرف والتّقزّز كلّما أقسم بأغلظ الأيمان أنّه في طريقه إلى "بنزرت" وأنّه لا يستطيع العودة، وأنّه سعى جاهدا إلى الحفاظ على الصّفقة، لكن تجري الرّياح،وأنّ....وجه مخاطبه "خير ملفلوس"
النّادل، هذا اللّعين الآخر ما انفكّ يجول حوله، دون موجب، بخيلاء ديك وحيد بين دجاج عديد. كأنّه يستحثّه للمغادرة أو طلب أفخر ما يمكن أن يُقدّم....لم يفعل سوى أن رمقه بنظرة أودع فيها كلّ زاده من الشّماتة والصّرامة حدّ أنّه لم يجد ما يصرف به ماسح الأحذية المتبائس الذّي انحنى بعناية فائقة يفرك حذاءه.
انهمك هو الآخر يطالع صحيفته منتشيا العظمة على وقع "الشّيتة" في يد الماسح، لم يتفطّن إلى صاحبة الوجه المطليّ تنتحي مجلسها جنبه وتستفزّه ببراعة مسرحيّ أن يوليها بقايا اهتمامه:
• ما يسالش؟ (وهي تشير ببصرها الكسول كهرّة إلى فنجان قهوته المحتضر) كان يخشى أن تحوّل بصرها إلى جيبه أو قلبه أو أيّ عضو من جسده، لذا عاجلها بإيماءة صبيّ أخرق لا يحسن إلاّ آداب السّلوك الّتي زرعتها فيه أمّ مثاليّة تعشق مظهر ولدها اللّبق والمطيع.
• تفضّلي مرحبا .
حاول إفهامها أنّها لا تستطيع الاستفادة أكثر من الجلوس والصّمت لكنّ المتّسع الدّلالي حسب رأيه يعاني من التّشوّه، ولذا فقد أضفى على عبارته مسحة من الصّرامة الخالية من التّرحيب مردّدا في قراره: إن شاء الله هذا ولا أكثر!
امتدّت يدها تستلّ بأصابعها الماكرة سيجارة، أشعلتها وخُيّل له أنّها تخاطبه : ما الله قينيا!! ردّد أيضا أو هكذا تخيّل : إن شاء الله هذاكا حدّ الباس!!!! وهو يطوي الصّحيفة ويضعها بلطف مبالغ وحرص شديد كأنّها ستكسر الطّاولة ، سوّى ربطة العنق إذ أحسّ باختناق لأنّه ل شكّ سيقول حسب العرف : "اشربي حاجة" وهذه العبارة كفيلة بمنع الدّم من الجولان في شرايينه لا لأنّه يستكثر على نفسه دفع المعلوم، بل لأنّه يعدّ ذلك فاتحة لعينة لمطالب انتهازية أخرى ستضعه حتما تحت طائلة قانون الموالين لثقافة الشّكل والمظهر، وهو من أنصار الحياد، حدّ أنّه بات يمقت شكله وكاد يتجرّد من شخصه وكسر كلّ المرايا...
كما أنّها لم تسمعه، صمتت،، كانت تنظر إلى النّادل أو وحيد الدّجاج الذّي لا يمهل ولا يهمل، ولا ينسى إذ تهادى بخيلائه المعهود:
• مرحبا بالنّوّار
• يعيّش خويا "قرون كرام"
• آكهو؟؟؟؟(مستزيدا)........يطلب الورد.....
انصرف النّادل بخفّة عجيبة بينما رددّ في قراره كالعادة :يا والله حال!! في ظرف مررّت فيه أصابعها الماكرة بحركة كلاسيكيّة تسوّي شعرها المنسدل كذيل حصان، بدا أنّ شعرها يعاني من عناية مفرطة ومشددّة كي يحافظ على طلاقته وانسداله، فعلت ذلك في نفس الوقت الذّي لامست فيه ركبتها ركبته .........حرّكت شعرها كي تصرف انتباهه عن الحركات السّفليّة أو ليبدو هذا عاديّا!!........أحسّ بحرارة الأنثى تسري في شرايينه، تسابق الدّم، تصعد إلى دماغه و تلهمه بسحر الحياة بعيدا عمّا يسمّيه بالخور وانتبه إلى أنّها سحبت الفخذ لتمنحه إحساسا بالحرمان من النّعومة والدّفء،، ابتسم كما لو كان يعترض على النّعومة والدّفء وهو يرمق بقهر سيجارها الفاحش الدّالّ على عنجهية ذكرية وأنوثة مشوّهة .
ألفى نفسه يبتسم دون موجب، وانتبه إلى أنّها مازالت تنتظر منه بادرة يعبّر لها فيها عن تودّده لها، كأن يدعوها إلى أكل إن لم تأكل أو فلم إن كانت من هواة السّينما ...أو أن يصطحبها إلى منزله أو إلى منزلها إن كانت تريد شيئا خاصّا بعيدا عن الفضوليين ....يا للحياة!!!
جاء وحيد الدّجاج مزهوّا :
• سامحوني تخلّصوا توّا؟؟
لم يظهر من نبرته ما يدلّ على أنّ ما يتفوّه به أمر أم إعلام أم استفهام أم رجاء أو طلب، فالبلاغة عنده مشوّهة، فقط دلّ على أنّهما معا كالزوجين أو العاشقين أو الحبيبين.
تلكّأت الفتاة تنقّب بكسل الهرّة داخل قعر حافظتها، بدت له كباحثة عن إبرة، نقد وحيد الدّجاج المبلغ متحسّرا على نقوده المبدّدة من أجل لاشيء .
خطر له أن يحدّثها لكنّه أحجم عن ذلك لأنّ لا شكّ من خلال المظهر ستروي أنّها موظّفة في إدارة ما وربّما كانت تقصد شركة مناولة، وأنّها تتقاضى ما يكفي لتغدق على أمّها بالعطايا وربّما كانت لا توفّر ثمن قهوة، لأنّها ترهق ميزانيّتها بمتطلّبات المظهر من "تجبيد شعر" ومساحيق وألبسة وإكسسوارات و ارتكلوات وأنها تبحث عن " ولد حلال" وربّما كانت تقصد أي شكل رجولي يكبح أنوثتها الأرقة ولو ليلة أو أكثر وأنّها وأنّها....تخلّت عن خطيب سابق لأنّه عاطل وربّما لم يقو هو على ما يظنّه خورا...قطع عليه تأمّلاته مخبول زنجيّ، كان أشعث أغبر عاريا إلاّ من سروال قصير، أمام دهشته رفع الـــ"قرون كرام" وسكبها على شعر الفتاة الّتي انتفضت بهلع :
• يكب سعدو كنت توّا نجبّد في شعري!!!
نظرت إليه بتوسّل وعتاب، لكنّه لم يعرها اهتمامه، فصرخت فيه بوحشيّة :
• تتفرّج ياخي؟؟؟ قوملو يا راجل!!
كان هذا كفيلا كي يظهر بمظهر الرّصين الّذي يجالس فتاته أكانت زوجته أو أمه أو أخته أو خطيبته، ثمّ لا يدافع عن حماها، اجترّ الفكرة ولاكتها مخيلته حتّى كاد يقتنع بها لكنّه تساءل عن كان الدّيّوث يفعل ذلك حقّا ام أنّ الدّيّوث يجلس مع ما يبدو أنثى معرّضا نفسه إلى سوء الظّنون؟؟
قهقه معرضا عن هذه الخواطر وقرّر أنّ الدّيوّث قد يصطحب امرأته ليحصل لها ما حصل، أو يجالس امرأة لا يعرفها، لو أنّ أمه سمعت بهذا لبقيت بقيّة حياتها توبّخه إن كانت ستموت قبله أو بقيّة حياته إن كان سيموت قبلها، لذلك قام من مجلسه أمام دهشة الجميع وتظاهر أنّه يسير وسط الفراغ، توجّه إلى "تونس البحريّة" توسّط الطّريق السيّارة ثمّ سار الهوينا غير عابئ بمزامير السيّارات ...........قشّروا الجدران.....
عند دخول القلوب.......
فالاسم المكتوب
في الحيطان....
لا يمحوه .....قرار سفر......
|
|
|

|