سامية بن منصور
…يبعد عنه الملفات بقرف...
و يفكر.. أنا من اختار الفراق فلم الندم؟
يمسك الفأرة
...يكاد يكسرها...تكاد تعضّه... يقرف أكثر منها ومن الحاسوب ومن الجدران..
يضحك مجنون داخل
رأسه : للحياة بين أحضانها أبعاد أرحب لكنك من اختار الفراق فلماذا تهرب؟
يصرخ بالمجنون
اخرس فمنذ سكنت رأسي وأنت بأعصابي تلعب !
يقف و قد قرر
التوقف عن احتمال اليومي المؤلم ...
سأخرج للمدينة علي أنساني هناك
أو على الأقل أنساك...
يبتسم المجنون:أما
نسيانها فلا طاقة لك به!
يتجاهله ويقفل
مكتبه ويركض خارجا..
نظرات الزملاء
لا تعنيه... ولا باب مكتب المدير إذ يرمقه في صمت مريب...
ينسى هاتفه..
ينسى المصعد...
يركض على الدرج...
لا أحتمل دقيقة
أخرى من الندم... ليت لي الشجاعة لمواجهة العدم !
يقف في باب العمارة
لاهثا... يتذكر المصعد فيبتسم.. يفاجئه وجه البواب وقد لبس الدهشة فازدادت تجاعيده
اتساعا...
تتسع ابتسامة
ياسين ثم تختفي... فيقهقه المجنون...
هذا طريق البيت... وهذا طريق المقهى..لنذهب من هناك...
لا ذاكرة لدي في هذا الزقاق
المهمل...
يمشي...يمشي...
و يدخل و يخرج
من زقاق إلى زقاق...
يستلذ ياسين الاغتراب
عن الذاكرة.. لا عيون سمراء تذكرني بها..
ولا أماكن زرعناها
يوما ضحكا أو أمنيات...
تسقط قطرات مطر
خجولة.. كم كانت تحب المطر...
يستلقي المجنون
داخل رأس ياسين و تهدهده الذكرى... فيسترخي..
تواصل القطرات
السقوط من بعيد و يحاول ياسين أن يفاجئها قبل أن تلثمه...
فيصرخ فيهما مارد
أخضر أن ابتعدا!!
ينتفض المجنون
لاعنا... ويلتصق ياسين بعمود على حافة السكة...ليمر الركب الأخضر الجليل...
ركبنا هذا الأخضر
يوما معا...
كانت كذبة جميلة
نود حقا لو نصدقها و نحزن جدا لأنها كذبة...
و رغم هذا و ذاك
نوقن أنها لم تكذبنا يوما ولم تقل قط أنها حقيقة!!!
يبتسم المجنون..
و يقهقه ياسين:ها قد نالت مني الذاكرة لما جعلت في سكة الحديد خاطرة!!
يسمع صرخة...
يرفع رأسه..
يقرأ:حانة الطاووس
يضحك...يقهقه..يقهقهان..
فيستعيذ شيخ يمر
من شياطين الأرض و شياطين السماء...
يمشيان نحو الحانة،
نخبك اليوم سأشرب أيها الطاووس الثمل وهما،
الثمل أبدا.
يدفع الباب و
يدخل.
أكوام من عمال
الليل يتكدسون هنا و هناك يتناسون بالخمر تعب الليلة الماضية ... ونكد الساعات الآتية ... مع الزوجة المتذمرة أبدا...في الجحر الفاغر فاه
للمصاريف و الفواتير و أل...
ـ لن تكتب تقريرا
اجتماعيا فما تحمله تحت لباسك الفاخر أفظع!
يصرخ المجنون
و يخرس فكر ياسين.
ينتحي ركنا قصيا
ويكاد يريح مرفقيه على الطاولة لما يعدل عن ذلك:
ـ قذرة جدا هذه
الطاولة !
ـ متعجرف !
يرمي نظرة على
ساعة يده و يصفر:
ـ مازال في عمر
الفراغ الكثير!
تتلون بعض العيون
و تحنق فجأة،
ـ كان أولى بك
نسيان هذه الساعة الجميلة...للجمال وجوه أخرى كالذنوب.
يضع ياسين مرفقيه
على الطاولة و ينادي النادل.
ـ سأشرب رغم المضايقات
فلا تقلق!
يفتح الزجاجة
و يصب لنفسه...
يشرب... يشرب...يشرب
تتصاعد موسيقى
من ركن لا يراه...
ـ أكانت تدق منذ
دخلنا؟
ـ لا أعلم!
و يشرب...
"مازال نبغيك و الله
ما ننساك
tellmentنعشق فيك قلبي يهواك"
يدور رأسه و يحب
موسيقى الراي فجأة...
و يشرب..
تتباطأ حركات
ياسين ولا يكف عن الشرب و الدندنة...
يصمت المجنون
و تتداخل الصور و الأمكنة...
يلوح وجهها و
بحر العسل و خصلات شعرها... فتسقط دمعة ينسى
أن يخفيها..
يقترب النادل
لاعنا حظه في سرّه...و يتمتم في أذن ياسين بجمل استهلكها مرارا منذ ابتلاه الدهر بهذا العمل.
يلتفت ياسين إليه
فلا يراه... تجحظ عيناه فتجحظ عينا النادل و يفتح المجنون عينيه و يبتسم...
ـ ماذا تريد؟
ـ هون عليك يا
سيد!
ـ ماذا تقول؟
...-
لا أحد يفهم شيئا...
يبتسم الثلاثة...
و يخرج ياسين و المجنون ليمر النادل إلى طاولة أخرى..إلى وهم و ألم آخر.
يجاهد ياسين ليعتدل
واقفا أمام الحانة...و رأسه تتوق إلى التدرج أرضا.
تتلوى السكة كالثعبان...ويضحك
المجنون:
ـ لا أجمل من
الطواويس الخارجة من هذا الباب!
ـ و لا أفظع من
هذا الثعبان و من هذا الضباب!
يتقدم ياسين و
يسأل المجنون: إلى أين الذهاب؟
فيدور الاثنان
حول بعضهما دون جواب.
يلتفت بحثا عن
الساعة فلا يجد غير ذراعه !
ـ معصمي عار و
الوقت نسي أن يخرج معنا!! ما عاد لنا وقت يضاجعنا.
يضحك ياسين ،يصرخ
المجنون... لا..
تختلط الصور والأصوات..
تدور الأشياء
و يصرخ المجنون:توقف!
يتوقف كل شيء
لما يمر سريعا المارد الأخضر.